اقسام اقطاب
           

التطرف رديف الجهل بالدين


editor



اسامة شحادة
الجمعة, May 4, 2018

أسامة شحادة

صدر مؤخرا للزميلين د. محمد أبو رمان ود. موسى شتيوي، كتاب مهم ومميز حول واقع الشباب المتورط في فكر التطرف والإرهاب حمل عنوان "سوسيولوجيا التطرف والإرهاب في الأردن، دراسة ميدانية وتحليلية" استعرضا فيه دراسة 760 حالة.
وقد تكرر في الدراسة الإشارة "لمحدودية ثقافتهم الدينية والفقهية واطّلاعهم على النقاشات الإسلامية بخصوص الخيارات الفكرية والدينية التي ذهبوا إليها، فهم غالباً اكتفوا ببعض "النصوص" الدينية التي تمثل خيارهم، مثل بعض آيات القرآن المرتبطة بالحكم الديني وتكفير الحكم بغير الشريعة الإسلامية، أو تلك التي تجعل من الجهاد فريضة في المقاومة والدفاع عن أراضي المسلمين، وفتاوى تؤيد هذا الموقف من دون وجود قاعدة علمية مقنعة وقوية لديهم تُسند هذا "الخطاب الأيديولوجي""، ص 71.
كما أن ثلثي الحالات في هذه الدراسة لم يتجاوز أعمار أفرادها 30 عاما، بل إن ثلث الحالات لم يتجاوز سنهم 25 عاما! ص 81، وأن الثلثين أيضاً لم يتجاوز تحصيلهم التعليمي الثانوية العامة (31.1 % أقل من ثانوي، و42.5 % ثانوي) ص 83، مما يؤشر أيضاً لضعف الثقافة الشرعية عند ضحايا التطرف من شبابنا.
وتكشف ثنايا الدراسة عن الدور المركزي للسجن في نشر فكر التطرف والإرهاب بين الشباب من خلال الاختلاط بالسجناء من حملة الفكر المتطرف بحيث "كان السجن (نقطة التحول)؛ إذ بدأت مجموعة من هؤلاء الشباب يتأثرون بأفكار الجهاديين في السجن، والتزموا دينياً خلال تلك الفترة، ثم لما خرجوا أصبحوا أعضاء في التيار" ص 59، وهذا العامل -التحول في السجن- هو العامل الأساس في تركز فكر التطرف والإرهاب في أماكن دون أخرى، وفي ظني هو أقوى من العوامل الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة التي يسكن بها هؤلاء الشباب، ولو أتيح تنفيذ دراسة عن زمالة السجن لرموز التطرف والتكفير والانتشار الجغرافي لظهرت لنا خريطة كاشفة ومفسرة لكثير من ظهور بؤر تطرف في أماكن دون أخرى مع استحضار أن فكر التطرف ينتشر بقوة من خلال العلاقات الشخصية والصداقة والزمالة أو لاحقاً عبر التنشئة العائلية حين يكبر شباب التطرف ويكوّنوا أسراً. ص53.
فليست الزرقاء وظروفها الاقتصادية والاجتماعية والسكانية -في اعتقادي- هي من صاغت شخصية أبو محمد المقدسي لأنه جاء إلى الأردن والزرقاء العام 1992 وهو يحمل هذه الأفكار أصلاً من الكويت التي عاش فيها غالب حياته! كما أن السلفية موجودة في الزرقاء من قبل المقدسي بعقود، وكانت سبباً في محاصرة فكره المتطرف والتكفيري مبكراً، وإلا كانت الأمور في غاية السوء لناحية تفشي فكر التطرف والتكفير.
وارتباط التطرف والتكفير والإرهاب بالجهل الشرعي سمة دائمة في جماعات العنف والتطرف في عصرنا الحاضر، والنصوص الشرعية تشير لصفتي حداثة السن وقلة العقل والعلم، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية" رواه البخاري.
ولو فحصنا رموز التطرف في بلادنا كالمقدسي، سنجد أنه تبنى هذا الفكر المنحرف وهو لم يبلغ 30 عاما! ولم يتلقّ فكره من العلماء، بل لفّقه بنفسه بين أفكار سيد قطب وعبر قراءة ذاتية لبعض كتب علماء نجد فخرج بمزيج خاص به في التطرف والجهل، وقد تقلّب فكره قوة وضعفا في التطرف وتبدّل سلوكه في التطرف بين تهور وجبن جعلت حتى الكثير من المتطرفين ينبذونه!! وأفضل ما كتب في تفكيك غلوه كتاب "الخروج عن الشريعة عند أبي محمد المقدسي".
أما أبو مصعب الزرقاوي، فمسيرته مع التطرف بدأت وهو في الثانية والعشرين من عمره، وكان في مرحلة طيش وانفلات، وخلال سنوات قليلة أصبح رمزاً، في تطبيق عملي لوصف النبي صلى الله عليه وسلم "حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام"، وتكفل كتاب "الدولة الإسلامية بين الحقيقة والوهم" لفضح أبوة الزرقاوي لكثير من جرائم داعش.
وحتى أبو قتادة الفلسطيني، فقد انحرف لفكر التطرف والتكفير وهو في الثلاثين من عمره، أما غلوه فقد أبرز تفاصيله زميلُه في درب التطرف والغلو أبو مصعب السوري في كتابه "مختصر شهادتي على الجهاد في الجزائر"، وقلة العقل وسفاهة الحلم هي التي تقود كثيرا من مسيرة جماعات العنف والتكفير والتفجير، وفي جرائم داعش والقاعدة والنصرة وتحرير الشام وأخواتها أكبر شاهد لمن كان له عقل يتدبر وعين تبصر وعين تسمع.
وحداثة السن وسفاهة الحلم سمة عامة في غالب التنظيمات التكفيرية وقد تبين لي من دراسة على جماعات العنف المصرية ذلك، فتنظيم الجهاد العام 1958 قاده نبيل البرعي وهو في الثانية والعشرين أيضا، وخلفيته الشرعية ضحلة! وبقي هذا التنظيم بتفرعاته يقوده الشباب الصغار دون الثلاثين.
أما تنظيم الفنية العسكرية فقاده صالح سرية وهو في الـ37 من عمره ومعه طلاب في الكلية العسكرية للقيام بانقلاب عسكري مما يكشف عن صدق وصف النبي صلى الله عليه وسلم "سفهاء الأحلام".
أما تنظيم "جماعة المسلمين"، المشهور إعلاميا بالتكفير والهجرة، فقاده المهندس الزراعي شكري مصطفى، والبالغ من العمر -آنذاك- 23 عاما!
أما تنظيم الجهاد الذي تمكن من اغتيال السادات العام 1981 فقد كان منظره المهندس محمد 
عبد السلام فرج يبلغ 31 عاما، ومستشاره العسكري المقدم عبود الزمر يبلغ 34 عاما، أما منفذ العملية الملازم خالد الإسلامبولي فكان عمره 23 عاما، وهذا حال قادة الجماعة الإسلامية الذين شاركوا في الاغتيال.
ومما يؤكد الجهل الشرعي لقادة التيارات المتطرفة وسفاهة أحلامهم وقلة عقولهم وانعدام خبرتهم، حركة التراجعات عن فكرهم المتطرف والندم على سلوكياتهم وسياساتهم، فضلاً عن تراشق هذه التنظيمات بالاتهامات فيما بينها والحروب الدامية فيما بينها كل فترة.
وفي الختام؛ إن ضحالة المعرفة الشرعية قرين ورديف لمسيرة التطرف والغلو، وأي خطة لمكافحة التطرف والإرهاب لا تراعي نشر المعرفة الدينية والشرعية السليمة هي خطة محكومٌ عليها بالفشل والخسران، وأي خطة تسعى لمكافحة التطرف والإرهاب بفرض رؤى دينية مذهبية متعصبة أو مناهج كلامية مبتدعة هي تعميق للأزمة، وأي علاج للتطرف والغلو بنشر الفجور سيفاقم حالة التقبل للتطرف والعنف والتكفير عند الشباب العاطفي المشحون والجاهل بدينه وواقعه وكيفية علاج الأخطاء بحكمة ومعرفة.



المصدر : http://www.wasatyea.net/?q=ar/content/%D8%A7%D9%84...




أقطاب | بودكاست | دليل الإمام